الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

187

نفحات الولاية

وبالطبع فانّ كل ذلك اختبار له وللعباد . ثم تكهن الإمام عليه السلام بمستقبل هؤلاء القوم إزاء عدوهم الطامع قائلًا : « أمّا والذي نفسي بيده ، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وإبطائكم عن حقي » . فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى نقطة مهمّة هنا وهى أنّ هؤلاء القوم سيتغلبون عليكم آخر الأمر ، ولكن لا تظنوا أنّ هذه الغلبة نابعة من كونهم على الحق . فلا ينبغي أن يعتقد أحد بأنّهم على الحق فيؤدي به ذلك إلى الضلال . قطعاً أنّهم على باطل ، إلّاأنّهم راسخون في هذا الباطل عاقدون العزم عليه وهم آذان صاغية لمعاوية ؛ أمّا أنتم وإن كنتم على حق ، إلّاأنّكم ضعفاء ، ليس لكم من عزم أو إرادة ، ولا تعيرون زعيمكم اذناً صاغية ، فدرجتم على التمرد والعصيان ، فإذا جمعت هذه الصفات في شخص أو أمة مهما كانت فسوف لن يكون مصيرها سوى الهزيمة والفشل . فقد روى أبو مخنف في قصة يوم الحرة : أنّ مسلم بن عقبة ركب فرساً فأخذ يسير في أهل الشام ويحرضهم ويقول : يا أهل الشام أنّكم لستم بأفضل العرب في أحسابها ولا أنسابها ، ولا أكثرها عدداً ولا أوسعها بلداً ، ولم يخصصكم الله بالذي خصكم به من النصر على أعدائكم ، وحسن المنزلة عند أئمتكم إلّابطاعتكم واستقامتكم . « 1 » ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة بهذا الشأن : « ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها ، وأصبحت أخاف ظلم رعيتي » . فالأمم والشعوب طيلة التأريخ إنّما تشكو ظلم وجور حكوماتها المستبدة الطاغية ، بحيث أصبح هذا أمرا طبيعياً ، بينما انقلبت هذه المسألة بالنسبة للإمام عليه السلام فهي على العكس تماماً ! لم يكن هناك من يخشى ظلمه عليه السلام ، فلم يكن للظلم والجور من سبيل إلى وجوده عليه السلام ، في حين كان هو عليه السلام يعيش حالة القلق والاضطراب من غدر أصحابه ومكائدهم وما شاكل ذلك ؛ والحق أنّ مثل هؤلاء الأفراد إنّما يبتلون عاقبة الأمر بالطغاة فيذيقوهم أنواع الظلم ، وهذا ما حدث بالفعل ، ثم تطرق عليه السلام إلى نقاط ضعف أهل الكوفة والعراق آنذاك فقال : « استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا ، واسمعتكم فلم تسمعوا ، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا » .

--> ( 1 ) أبو مخنف ، طبق نقل شرح نهج البلاغة للمرحوم التستري 10 / 596 .